الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

430

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

هذه المراحل الأربعة المختلفة مضافا إلى مرحلة النطفة تشكل خمس مراحل ، كل منها عالم عجيب بذاته ملئ بالعجائب بحثت بدقة في علم الجنين ، وألفت بصددها كتب وبحوث عميقة في عصرنا ، إلا أن القرآن تكلم عن هذه المراحل المختلفة لجنين الإنسان ، وبين عجائبه يوم لم يولد هذا العلم ولا يكن له أثر . وفي الختام أشارت الآية إلى آخر مرحلة والتي تعتبر - في الحقيقة - أهم مرحلة في خلق البشر ، بعبارة عميقة وذات معنى كبير ثم أنشأناه خلقا آخر وفتبارك الله أحسن الخالقين . مرحبا بهذه القدرة الفريدة ، التي خلقت في ظلمات الرحم هذه الصورة البديعة ، وصاغت من قطرة ماء كل هذه الأمور المدهشة . طوبى لهذا العلم والحكمة والتدبير ، الذي خلق في هذا الموجود البسيط كل هذه القابليات والجدارة . تعالى الله فقد تجلت قدرته فيما خلق . وجدير بالذكر أن كلمة " الخالق " مشتقة من " الخلق " وتعني بالأصل التقدير ( 1 ) ، حيث تطلق هذه الكلمة عندما يراد تقطيع قطعة من الجلد فينبغي على الشخص أن يقيس أبعاد القطعة المطلوبة ثم يقطعها ، فيستخدم لفظ " الخلق " بمعنى التقدير ، لأهمية تقدير أبعاد الشئ ، قبل قطعه . أما عبارة أحسن الخالقين فتثير هذا التساؤل : هل يوجد خالق غير الله ؟ ! وضع بعض المفسرين تبريرات لهذه الآية في وقت لا حاجة فيه لهذه التبريرات ، لأن كلمة " الخلق " بمعنى التقدير والصنع ، ويصح ذلك بالنسبة لغير الله ، إلا أن هناك اختلافا جوهريا بين الخلقين . . . يخلق الله المواد وصورها ، بينما يصنع الإنسان أشياءه مما خلق الله ، فهو يغير

--> 1 - مختار الصحاح .